أبو العباس الغبريني
116
عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية
فقهه لا يستحضر من النقل الكثير ولكنه يستحضر ما يحتاج اليه . وكانت له ديانة متينة ، وكان سري الهمة رفيع القدر ، تخطط بخطة القضاء في غير ما بلد ، وكان أبوه قاضيا وبيتهم بيت علم وقضاء وتوارث سؤدد ، ثم قضى ببجاية فكان في قضائه على سنن الفضلاء وطريق الأولياء والعقلاء ، قائما بالحقوق ، وقّافا مع الصدق ، معارضا للولاة فيما يخالف طريق الشرع ومبائنا لهم . ثم انصرف عن بجاية فولى قضاء حاضرة أفريقية ، فكان له فيها الظهور في أحكامه ، والمضاء في قضائه ما اشتهرت آثاره ، وتواترت أخباره . ولما توفى رحمه اللّه ، عجز القضاة بعد هنالك على سلوك منحاه ، واقتفاء سننه الذي اقتفاه ، وكان رحمه اللّه ، كثير التشديد في أمر الشهادة والشهود ، يرى التنصّل عنها عملا وتقديما ، ولقد أخبرني رحمه اللّه ، انه ما شهد قط إلا شهادة واحدة دعتة الضرورة إليها ، وكان لا يرى أن يقدم الشهود الا عند الحاجة ، وأما إذا كان من تقع به الكفاية فلا يقدم ، ويرى أن الكثرة مفسدة ، وقلما كان يقدم رحمه اللّه . ولقد ذكر لي انه عرض عليه في مدة ولايته بحاضرة أفريقية ، أن يقدم رجلا من أهلها ، ووقعت العناية به حتى بلغ الامر إلى عناية الملك به ، إلى أن شابه فيه فتمنع من ذلك وقال له : إذا شئتم أن تقدموه أخبروني وقدموا من تقدمونه » فقبلوا قوله فأقروه ولم يقدم الرجل ، وكان إذا جرى الأمر في تحرير معنى الشهادة ويجري فيه ما قاله القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره ، من أنها قول قبول الغير على الغير دليل ، يرى أن هذا من الامر العظيم الذي لا يليق ان يمكن منه إلا الآحاد ، الذين تبيّن فضلهم في الوجود ، وكان يرى أن جنايات الشاهد انما هي في صحيفة من يقدمه من باب قوله ، عليه السلام ، من سنّ سنّة حسنة ومن سنّ سنّة سيئة ، وهذا كله باب احتياط وديانة ، والشهادة أولى ما وقع التحوط عليه والنظر في أمره ، ومنصب الشهادة من الامر العظيم والخطب الجسيم .